Rehab Nour's Journal

Writer, Fashion lover and Fairy Tale Believer.

الياقوت.. حجر الحب و الحرب

Posted on October, 28 2018 in Published

الياقوت.. حجر الحب و الحرب

يحكى أنه فى بلاد فارس القديمة، منذ عهود بعيدة ، وجد شحاذ عجوز حجر أحمر ضخم ولامع على ضفة أحد الأنهار بعد الفيضان، فذهب به إلى قصر ملك البلاد والذى أعجب بالحجر كثيراً فقرر إعطاءه لابنته فى عيد ميلادها. اشترى الملك الحجر من الشحاذ مقابل الكثير من الذهب، ثم وضع الحجر فى خزائنه وتركه حتى يأتى عيد ميلاد ابنته. وحين أتى يوم ميلاد الفتاة وذهب الملك ليحضر الجوهرة فوجئ باختفائها وبوجود فارس وسيم يبرق على جبهته حجر أحمر واقف فى نفس المكان الذى تركها فيه.

 ورفض الفارس أن يخبر الملك كيف دخل إلى خزائنه وكيف اختفى الحجر، فقط قال له أنه يدعى  "أمير الياقوت"، فغضب الملك وقرر معاقبة الفتى بإرساله لقتال تنين ضخم كان يرعب أهل البلدة ويمنع القوافل من المرور، ووعد ه بأن يزوجه ابنته إذا نجح فى ذلك، ظناً منه أن التنين سيقتل الأمير كما قتل كل من حاول القضاء عليه من قبل. وفوجئ الملك بموافقة الأمير على الفور، ثم بنجاحه فعلاً فى قتل التنين ببسالة مستعيناً بسيفه الأحمر، فأعجب هو وابنته بشجاعة الأمير، وتزوج أمير الياقوت من الفتاة.

 وفى يوم كان الزوجان يجلسان على شاطئ النهر وأصرت ابنة الملك أن تعلم حكاية الأمير وكيف جاء إلى قصر الملك مكان الجوهرة الضخمة. كانت قد سألته كثيراً عن هذا السر ولكنه كان دائماً ما يرفض إخبارها. أما فى هذا اليوم فقد صممت على معرفة الإجابة حتى أنها بكت حين رفض الأمير، فلم يتحمل بكائها ووافق على إخبارها. إلا أن موجة كبيرة ارتفعت من النهر فجأة وأخذت الأمير معها قبل أن يفشى السر. وبحثت الزوجة عن زوجها كثيراً بعد ذلك فلم تجده، وظنت أنها فقدته للأبد.

وبعد شهور طويلة من اختفاء الأمير، رأته إحدى وصيفات الأميرة فى ليلة مقمرة فوق جزيرة ظهرت فجأة فى وسط النهر، وهو واقف بجانب رجل  ضخم عجوز تشبه لحيته الأمطار ويرتدي تاجاً ضخماً من الجواهر، ورأت حولهما جماعة كبيرة من الحوريات والجان. أخبرت الوصيفة أميرتها بذلك، فذهبت الأميرة لنفس المكان ليلة وراء ليلة وانتظرت طويلاً دون أن تمل أو تفقد الأمل حتى ظهرت الجزيرة، فاندفعت إليها فى شجاعة وأصرت على استرجاع حبيبها مهما كلفها الأمر،غير خائفة من الغرق أو حتى من الكائنات المرعبة المحيطة بها. هذه المرة أعجب الملك العجوز بشجاعة الأميرة وإخلاصها لزوجها، وسمح له بالعودة لحبيبته مرة أخرى وأن يخبرها سره، فهو أمير الياقوت ابن ملك الأنهار، وقد تنكر فى شكل الحجر الضخم حتى يستطيع دخول القصر الملكي والوصول للأميرة الجميلة التى رآها وهى تتمشى على شاطئ النهر وأحبها. وعاد الحبيبان إلى بعضهما ليعيشا معاً فى هناء عمراً طويلاً.

هذه أسطورة فارسية قديمة تشهد على قيمة حجر الياقوت وما يحمله من معانى قوية، وكذلك ما لعبه من دور فى الفكر الإنسانى منذ القدم. فالياقوت بألوانه القوية وبريقه الرائع قد جذب إنتباه الإنسان فى مختلف العصور وأثار خياله، فقدره الإنسان وأحبه ونسج حوله العديد من القصص والأساطير. وكذلك تهافت الأمراء والملوك على امتلاكه حتى بات من أهم شعاراتهم ورمزاً من رموز المكانة والسلطة. وقد جمع حب الياقوت بين البشر فى مختلف الحضارات على مر الأزمان، فعشقه ملوك العصور الوسطى فى أوروبا، واعتبره الهنود رمزاً لحضارتهم وبطلاً لأساطيرهم ، واستخدمه الصينيون قديماً فى إضاءة القصور الملكية، وأصبح الياقوت مصدراً للوحى للكثير من الأدباء العظام وأشهرهم شكسبير.

والياقوت نوع من المعادن التى تدعى الكورندم، ومعناها المعدن الصلب، وهو مكون من أكسيد الألومنيوم . وينقسم الياقوت إلى نوعين طبقاً للونه، فإذا كان أحمر اللون يطلق عليه اسم "الياقوت الأحمر" أو “Ruby”  باللغة الإنجليزية،  أما إذا كان بلون آخر – وخاصة الأزرق – فيطلق عليه اسم السفير أو “Sapphire”  . وتكتسب اليواقيت ألوانها من آثار الكروم والمعادن الأخرى الداخلة في أكسيد الألومنيوم، والتى تحدد لونه كما تحدد درجة كثافة اللون وقوته فى الياقوت الأحمر. وتوجد ألوان أخرى للياقوت مثل الأصفر والأخضر والأبيض والأسود إلا أنها أقل قيمة وشهرة من الأحمر والأزرق.

 ويتراوح بريق الياقوت من الماسي إلى الصمغي كما تختلف درجاته بين الشفاف والنصف شفاف. وتأخذ أحجاره الشكل السداسى، وهى غالباً ما تكون صغيرة الحجم، فوجود الأحجام التى تزيد عن ثلاثة قراريط فى وزنها نادر جداً. كما يتميز الياقوت بصلابته الشديدة التى لا تفوقها إلا صلابة الألماس، ولذلك فهو يستخدم فى قطع المعادن والعديد من الأغراض الصناعية الأخرى. ويتميز الياقوت أيضاً ببريقه وإشعاعه الشديد، حتى أنه قد تم استخدام بلورة ياقوت لإنتاج أول شعاع ليزر.

أما عن قيمة الياقوت، فهو يعد من أثمن الأحجار الكريمة وأكثرها قيمة، حتى أن ثمنه  قد بلغ أضعاف سعر الألماس فى أوقات من التاريخ. وما زال ثمن بعض أحجار الياقوت النادرة يفوق ثمن الألماس كثيراً حتى وقتنا الحالى.

ويستخرج الياقوت من أماكن عديدة حول العالم، منها تايلاند وسريلانكا والهند واستراليا والولايات المتحدة وكذلك العديد من دول أفريقيا. وتعد بورما – فى آسيا – من أهم الدول المنتجة للياقوت حيث يمثل إنتاجها نسبة كبيرة من مجمل الإنتاج العالمى كما تستخرج أجود أنواع الياقوت وأندرها ألواناً من أحد وديانها الذى يدعى "ميانمار" أو "وادى الياقوت".

ولاستخراج الياقوت قصة غريبة هو الآخر، فقد قيل أن العرب قديماً كانوا يجلبونه من جزيرة تدعى سرنديب الموجودة فى سريلانكا حالياً، وهى جزيرة مليئة بالجبال الشاهقة والوديان العميقة التى تسكنها الثعابين الضخمة ولا يستطيع الإنسان الوصول إليها برغم إمتلائها بأحجار الياقوت. فكان العرب يقومون بحيلة غريبة للحصول على تلك الأحجار، فيلقون بقطع كبيرة من اللحم فى هذه الوديان حتى تتعلق بها أحجار الياقوت ثم تراها النسور التى تسكن الجبال وتحضرها من الأسفل إلى أعشاشها وتسقط قطع الياقوت فى الأعشاش، فيخيف جامعى الياقوت النسور حتى تطير من أعشاشها ثم يأخذون منها الجواهر الثمينة.

وإذا تحدثنا عن الياقوت الأحمر باعتباره  أغلى أنواع الياقوت وأكثرها شعبية، سنجد أن أحجاره تتنوع بين جميع درجات اللون الأحمر اعتبار من الوردي الفاتح حتى الأحمر القوي القاني، وهو ينقسم طبقاً للونه إلى أربعة أنواع هم البهرمانى – أو الرمانى – ، والأحمر ، والأرجوانى ، والوردى. و أجود أنواعه هى الياقوت البهرمانى الذى تشبه حمرته الغنية لون حبات الرمان، كما تتميز بعض أحجاره النادرة بلمعة زرقاء خفيفة تزيدها جمالا و قيمة فتجعلها أغلى أنواع الياقوت على الإطلاق، و يطلق على هذه الأحجار اسم "دم الحمام" .

 و للياقوت الأحمر أسماء كثيرة مثل الجوهر والعسجد و الروبين. و قد اختلف علماء اللغة العربية  فى أصل كلمة "ياقوت" حيث يقول بعضهم أن اسمه معرب من اللغة الفارسية أو اللاتينية، ويجزم البعض الآخر بأن اسمه عربي الأصل حيث ذكر فى القرآن الكريم. أما كلمة “Ruby” الإنجليزية فأصلها لاتينى و تعنى المعدن الأحمر. وكان الفرس يسمون الياقوت الأحمر "سيح أسمود" أى دافع الطاعون، و أطلق عليه الهنود العديد من الأسماء مثل "راتناراج" الذي يعني ملك الجواهر و "بادماراجا" ومعناه حمرة الورود.

و كثيراً ما يحدث خلط بين الياقوت الأحمر وأحجار أخرى طبيعية وصناعية. فلم يفرق القدماء بينه وبين أحجار أخرى كالعقيق الأحمر، حتى أنه تم الاكتشاف مؤخراً أن الكثير من الجواهر الحمراء فى تيجان أشهر الملوك و الملكات هى فى الواقع أحجار أخرى غير الياقوت. كما توصل العلماء الي طريقة لتقليد الياقوت الأحمربشكل متقن لدرجة أنه يصعب التفريق بينه وبين الحجر الأصلي. إلا أن مايميز الياقوت الحقيقى عن كل هذه الأحجار هو احتماله للنيران دون أن يتأثر لونه، وكذلك خلو سطحه من الشقوق و الخدوش لصلابته.

و قد نسبت إلى الياقوت الأحمر الكثير من الخواص العلاجية و الروحانية و السحرية التى يصدقها بعض الناس، فاستخدموه لعلاج الزهايمر والقلب والنزيف والربو وآلام الرأس والطاعون. وقيل عنه أنه يحمي الإنسان من الاضطرابات النفسية، ويكسبه  الحظ والعز والاحترام والمهابة بين الناس، وكذلك يتحصن مرتديه من الحسد و أعين الناس.

 و للون الياقوت الأحمر والذى يشبه الجمرات المشتعلة أثراً كبيراً فيما ارتبط به من معاني و رموز، فهو رمز الحب القوى والشوق الشديد، و كذلك هو رمز النيران والدماء. ولذلك استخدم فى صناعة الأسلحة واعتقدوا قديماً أنه يكسب حامله الشجاعة، و وصل الأمر إلى التصديق بأن الياقوت يحمي حامله من الجروح و الحروق سواء كانت بسيف أو بندقية، فلبسه الفرسان و المحاربين فى معاركهم، وأصبح الياقوت حاملاً لأقوى المعانى  وأكثرها تناقضاً... فهو حجر الحب و الحرب.


By Rehab Nour

Freelance lifestyle writer, fashion designer and craft maker who is in deep love with all things mythical, folkloric and genuinely beautiful.