Rehab Nour's Journal

Writer, Fashion lover and Fairy Tale Believer.

اللؤلؤ.. كنز البحار الغامض

Posted on December, 21 2018 in In Arabic, Published

اللؤلؤ.. كنز البحار الغامض

فى قديم الزمان، وفى إحدى البلاد البعيدة، التى أطلق عليها الناس اسم بلاد الشمس المشرقة، كانت هناك أميرة باهرة الجمال، شغف بجمالها أمير نبيل وتقدم لخطبتها. إلا أنها طلبت منه مهراً مستحيلاً، فقد طلبت منه أن يقدم لها عقداً مكوناً من مائة لؤلؤة بيضاء. واشترطت أن تكون جميع اللآلئ فيه كاملة الاستدارة ومتساوية الأحجام. وذلك أمر يستحيل تحقيقه لندرة اللؤلؤ الكامل الاستدارة واختلاف أحجامه...

وعلى الرغم من ذلك وافق الأميرعلى طلبها لشدة حبه لها، وانطلق يجوب الشواطئ ويغوص فى أعماق البحار باحثاً عن اللآلئ لمحبوبته.. وكثيراً ما انتهت محاولاته فى الحصول على لآلئ متماثلة بالفشل، ولطالما واجه أخطاراً تفوق الخيال. ولكنه لم ييأس، بل كرر المحاولة وجمع آلاف الآلاف من الأصداف، حتى مرت عليه خمس سنوات وهو على هذا الحال، وفى نهايتهم وبعد مشقة بالغة استطاع جمع حبات اللؤلؤ المائة فلم يصدق نفسه من الفرحة..

وبينما هو فى فرحته تلك جمع اللآلئ كلها فى صدفة كبيرة خالية، واستلقى على رمال الشاطئ ليرتاح، فأخذه النوم العميق، وأخذ يحلم بيوم لقاءه لحبيبته وزواجه منها لتكتمل سعادته. وعندما استيقظ... لم يجد حبات اللؤلؤ الغالية.

استرجع البحر كنزه وبعث بأمواجه لتعيد اللآلئ إلى مكانها الأصلى فى أعماقه. أصيب الأمير بالذهول والفزع، فألقى بنفسه وسط الأمواج فى محاولة يائسة لاستعادة ماضاع منه، فلم يستطع وأوشك على الموت... ثم ظهرت له عرائس البحر اللاتى التقطن حبات اللؤلؤ وعرفن حكايته. اقتربت منه إحداهن، وقد كان جمالها يفوق جمال الأميرة الطامعة مئات المرات. وكانت قد راقبته لسنوات فى أعماق البحار، وأعجبت بشجاعته ووسامته، فجذبته من ذراعه إلى الأعماق، ليعيش معها حياة لامثيل لها فوق الأرض.

السطور السابقة تحكى أسطورة خالدة عن اللؤلؤ، وهى واحدة من مئات وربما آلاف الأساطير التى تناقلتها الأجيال عن هذا الحجر الكريم الرائع الجمال والشديد الغموض، فهو أحد أسرار أعماق البحار، والتى مهما غصنا فيها واستكشفناها ستظل تبهرنا بغموضها و أسرارها.

احتار البشر منذ القدم فى تفسير وجود اللؤلؤ داخل الأصداف وكيفية تكوينه، ونتجت عن هذا الكثير من الأساطير وكانت لكل حضارة أو شعب أسطورة مختلفة. ففى الصين القديمة اعتقد الناس أن اللؤلؤ، وخاصة الأسود منه، هو الذكاء المتجسد الذى يولد فى عقل التنين، والذى يعتبر رمز الحكمة عندهم. وفى اليابان وغيرها من دول الشرق، ربط الناس بين اللؤلؤ ودموع الملائكة والحوريات والجنيات. أما الإغريق والرومان فقد اعتقدوا أن اللآلئ هى فى الأصل قطرة من الندى تلتقطها المحارات وتتجمد بداخلها. واعتقد الفرس أن اللؤلؤ هو نتيجه إلتقاء قوس قزح بالأرض.

ومن أجمل الأساطير التى تدور حول اللؤلؤ الأسطورة التى يتناقلها أهل جزيرة تاهيتي التى تقع فى جنوب المحيط الهادئ، وتعتبر موطناً لأحد أندر وأقيم أنواع اللؤلؤ وهو اللؤلؤ الأسود. تقول هذه الأسطورة أنه عندما يكتمل القمريبسط ضوؤه على سطح الماء فينادى المحارات لتخرج من أعماق البحار، ثم يضع فى كل صدفة من أصدافها هدية، وهى قطرة من نوره الفضى، فتتحول إلى لؤلؤة.

على الرغم من جمال هذه التفسيرات، فإن كلها أساطير من وحى الخيال، ولا تقترب أياً منها من التفسير الحقيقى لتكوين اللؤلؤ. فى حقيقة الأمر يتكون اللؤلؤ من مادة تخرج من كائن حى، وهو المحار. حيث تفرز خلايا بعض أنواع المحار مادة لامعة مكونة من كربونات الكالسيوم ومن مادة تدعى الكونكولين، وذلك فى حالة دخول أى جسم مزعج فى الصدفة الخاصة بالمحارة. وقد يكون هذا الجسم المزعج مجرد حبة رمال خشنة، أو حتى كائن طفيلى صغير، فتقوم المحارة بتغطيته بهذه المادة فى شكل طبقات دائرية حتى يصبح ناعماً ولا يضايقها. وعندما تجف هذه المادة وتصبح صلبة تتكون اللؤلؤة. والمادة التى تغطى بها المحارة الجسم الدخيل تتشابه فى تركيبها مع المادة التى تغطى بها الصدفة من الداخل، وهى تدعى "عرق اللؤلؤ". وقد تستغرق تغطية الجسم الدخيل بهذه المادة مدة طويلة تصل إلى خمس سنوات أو أكثر.

يشتهر اللؤلؤ غالباً بشكله الكروى ولونه الأبيض اللامع، إلا أن هناك عدة أشكال وألوان مختلفة لللآلئ، ويتم تقييم اللؤلؤ وتحديد مدى جماله طبقاً لشكله ولونه. فكلما كانت اللؤلؤة كاملة الاستدارة وناصعة البياض يزداد سعرها، وتسمى اللؤلؤة المستديرة كبيرة الحجم بالدانة، وتعد من أحسن اللآلئ. وبالإضافة إلى الشكل الكروى أو المستدير، قد تكون اللؤلؤة على شكل حبة الأرز أو الكمثرى أو على شكل أزرار، وقد تكون غير منتظمة الشكل وفى هذه الحالة تكون ذات قيمة قليلة.

ومن ألوان اللؤلؤ بالإضافة إلى الأبيض، اللون الزهرى الفاتح والعاجى، وكذلك هناك لآلئ يميل لونها إلى الأزرق والأخضر والأصفر والبنى. وهناك ألوان أكثر ندرة مثل الرمادى والأسود وهو أندر ألوان اللؤلؤ وأكثرها قيمة، فلا ينافسه فى القيمة إلا اللؤلؤ الذهبى وهو من أغرب وأجمل الأنواع. وينتج اللؤلؤ الذهبى عن نوع من المحار يتميز بلونه الذهبى يعيش بشكل خاص فى مياه بحر سولو جنوب غربي الفلبين، وإنتاج هذا اللؤلؤ قليل جداً، لذلك فإنه عالى القيمة.

والسبب الرئيسي فى إختلاف ألوان اللؤلؤ هو إختلاف البيئات التى يعيش فيها المحار، واختلاف المناخ والتيارات المائية مما يؤثر فى لون المواد التى تفرزها المحارة. ويمكن لخبراء اللؤلؤ أن يحددوا المكان الذى تكونت فيه اللؤلؤة بمجرد رؤية لونها. ويتميز بهذه الخبرة أهل الخليج العربى بشكل خاص، ويرجع ذلك لأن أهالى العديد من دول الخليج مثل الإمارات والكويت كانوا يعتمدون على صيد اللؤلؤ كمصدر أساسى للدخل لزمن طويل قبل اكتشاف البترول فى بلادهم.

وكان الغواصون الذين يعملون فى صيد اللآلئ يقومون بعملهم فى ظروف غاية فى الصعوبة ويبذلون مجهودات هائلة تجعلهم مثل أبطال القصص الخيالية والأساطير. فقد كانوا يعيشون على سفنهم فى عرض البحر لمدة تتجاوز الأربعة شهور كل عام، ويغوصون فى أماكن مليئة باسماك القرش والقناديل للبحث عن الأصداف. أما الأصعب من هذا فهو أنهم كانوا يغوصون لفترات طويلة قد تستمر طوال النهار دون خزانات أوكسجين، ولا تتخلل هذه الفترة سوى مرات قليلة يصعدون فيها إلى السطح ليتنفسوا.

بالإضافة إلى دول الخليج العربى، فهناك عدة دول آسيوية تشتهر بإنتاج اللؤلؤ، مثل اليابان والصين والهند. وهناك عدة دول أخرى حول العالم تعد من مصادر اللؤلؤ الهامة، منها أستراليا وأمريكا الشمالية وجزر المحيط الهادى وفنزويلا. ولا يقتصر إنتاج اللؤلؤ فى هذه البلاد على سواحل المياه المالحة كالبحار والمحيطات، فهناك بعض أنواع محار اللؤلؤ تنمو فى المياه العذبة.

ونتيجة لندرة اللؤلؤ الذى ينتج بشكل طبيعى دون تدخل الإنسان، إتجه البعض إلى ما يعرف بزراعة اللؤلؤ، ويعنى ذلك إنشاء مزارع خاصة على سواحل المياه المالحة، ويتم فى هذه المزارع تربية المحار الذى ينتج اللآلى. ويقوم العاملون بهذه المزارع بوضع جسم صغير، غالباً ما يكون خرزة صغيرة بداخل أصداف المحار، ويضعون الأصداف فى أقفاص مغلقة تعلق تحت سطح الماء. وقد يأخذ تكوين اللؤلؤ بهذه الطريقة فترات طويلة تصل إلى أربع أو خمس سنوات، وقد يؤدى أى خطأ صغير فى هذه العملية إلى موت المحار أو عدم إنتاج اللآلئ. واليابان هى أكثر الدول التى تشتهر بزراعة اللؤلؤ، حيث تنتج وحدها تقريباً كل محصول العالم من اللآلئ المزروعة فى الماء المالح.

بالإضافة إلى اللؤلؤ المزروع، هناك أيضا اللؤلؤ الصناعى والمقلد، لكنه بالطبع قليل القيمة والجمال مقارنة باللؤلؤ الطبيعى. ومن السهل تمييز اللؤلؤ المقلد باستخدام العدسة المكبرة وأحياناً بمجرد النظر إليه حيث أنه أقل بريقاً.

وعند شرائك اللؤلؤ يجب أن تسألى عن مدى سُمك الطبقات التى تكونه حيث أنه كلما زادت طبقاته زادت قيمته وجماله. ولتحافظى على اللؤلؤ الطبيعى، يجب أن تضعيه دائماً فى علبة مغلقة بإحكام لتحميه من العوامل الجوية، وأن تبعديه عن أى حمض أو مادة كيماوية أو حتى العطور. وذلك لأنه فى الأصل مادة عضوية تتفاعل مع ما حولها وتتأثر بسهولة. إذا اتبعتى هذه النصائح ستستطيعين الحفاظ على هذا الكنز الرائع، رمز الجمال والسحر والنقاء.



By Rehab Nour

Freelance lifestyle writer, fashion designer and craft maker who is in deep love with all things mythical, folkloric and genuinely beautiful.